الشيخ محمد هادي معرفة
232
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قال : كان لرسول اللّه صلى الله عليه وآله قرابة في جميع قريش . فلمّا كذّبوه وأبوا أن يبايعوه ، قال : يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ، لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم ! ثمّ ذكر وجوها ثلاثة اخر : طلب الموادّة مع قرابته أهل بيته . وطلب القربى إلى اللّه والزلفى لديه سبحانه . وصلة الأرحام بعضهم مع بعض . ويقول في وجه ترجيحه ذلك الوجه : إنّه لموضع « في » في قوله « الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » إذ لاوجه معروفا لدخول « في » في هذا الموضع . وكان ينبغي على سائر الوجوه أن يكون التنزيل « إلّا مودّة القربى » أو « المودّة بالقربى » أو « ذا القربى » على الترتيب . وقد حاول بكلّ جهده ترجيح اختياره على سائر الوجوه . « 1 » ولكنّه تكلّف في كلامه إذ كيف يخفى على ذيلبّ أنّ مثل هكذا مواجهة ممّا يمتنع مع قوم ناكرين مستهزئين بموقف النبيّ الأكرم . إنّهم رفضوا دعوته وجحدوا رسالته فكيف يطالبهم بالأجر عليها ؟ ! إن هذا الاحتمال إلّا وهن بمقامه المنيع صلى الله عليه وآله . إنّه صلى الله عليه وآله لا يمدّ يد الوداد إلى أعداء اللّه الألدّاء حتّى ولو كانوا ذوي قرابته . إذ لا قرابة مع الشرك ولا رحم مع رفض التوحيد . قال تعالى : « إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ » . « 2 » هذا وقد قال تعالى : « لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ » ، « 3 » فكيف يخالف رسولُ اللّه صلى الله عليه وآله صريح نهيه تعالى ؟ ! وكان صلى الله عليه وآله قد عرف منهم العناد واللجاج ، وقد عرفوا فيه قطيعة الرحم وتسفيه الأحلام وإفساد الشباب ، وجعل كيانهم على خطر الانهيار ، هكذا كانوا يحملون الضغائن نحو نبيّ الإسلام ويكرهون لقاءه . وإذا كان الأمر على ذلك ، فكيف يضع نفسه الكريمة موضع الامتهان تجاه سؤال يعلوه الذلّ والصغار ؟ حاشاه من نفس أبيّة وأنف حميّة . كما
--> ( 1 ) - جامع البيان للطبري ، ج 25 ، ص 15 - 17 . ( 2 ) - هود 46 : 11 . ( 3 ) - الممتحنة 1 : 60 .